عثمان بن جني ( ابن جني )
419
الخصائص
تكون للجود أيضا ؛ ألا ترى أنه لو قال لك إنسان : لا تطعم الناس ، ولا تقر الضيف ، ولا تتحمّل المكارم ، فقلت أنت : ( لا ) لكانت هذه اللفظة هنا للجود لا للبخل ، فلمّا كانت ( لا ) قد تصلح للأمرين جميعا أضيفت إلى البخل ؛ لما في ذلك من التخصيص الفاصل بين المعنيين الضدّين . فإن قلت : فكيف تضيفها وهي مبنيّة ؟ ألا تراها على حرفين الثاني حرف لين ، وهذا أدلّ شيء على البناء ، قيل : الإضافة لا تنافى البناء ، بل لو جعلها جاعل سببا له لكان ( أعذر من ) أن يجعلها نافية له ؛ ألا ترى أن المضاف بعض الاسم ، وبعض الاسم صوت ، والصوت واجب بناؤه . فهذا من طريق القياس ؛ وأمّا من طريق السماع فلأنهم قد قالوا : كم رجل [ قد ] رأيت ، فكم مبنيّة وهي مضافة . وقالوا أيضا : لأضربنّ أيّهم أفضل ، وهي مبنيّة عند سيبويه . فهذا شيء عرض قلنا فيه . ثم لنعد إلى ما كنا عليه من أن جميع باب ( ن ع م ) إنما هو مأخوذ من ( نعم ) لما فيها من المحبّة للشيء والسرور به . فنعمت الرجل ، أي قلت له ( نعم ) فنعم بذلك بالا ، كما قالوا : بجلّته أي قلت له ( بجل ) أي حسبك حيث انتهيت ، فلا غاية من بعدك ، ثم اشتقّوا منه الشيخ البجال ، والرجل البجيل . فنعم ، وبجل كما ترى حرفان ، وقد اشتقّ منهما أحرف كثيرة . فإن قلت : فهلّا كان نعم وبجل مشتقّين من النّعمة والنعيم ، والبجال والبجيل ونحو ذلك دون أن يكون كل ذلك مشتقّا منهما ؟ قيل : الحروف يشتقّ منها ولا تشتقّ هي أبدا . وذلك أنها لمّا جمدت فلم تتصرّف شابهت بذلك أصول الكلام الأول التي لا تكون مشتقّة ( من شيء ) ( لأنه ليس قبلها ما تكون فرعا له ومشتقّة منه ) يؤكّد ذلك عندك قولهم : سألتك حاجة فلوليت لي ، أي قلت لي ( لولا ) فاشتقّوا الفعل من الحرف المركب من ( لو ) و ( لا ) فلا يخلو هذا أن يكون ( لو ) هو الأصل ، أو ( لولا ) لا يجوز أن يكون ( لولا ) ، لأنه لو كان ( لولا ) هو الأصل كان ( لو ) محذوفا منه ؛ والأفعال لا تحذف ؛ إنما تحذف الأسماء نحو يد ، ودم ، وأخ ، وأب ، وما جرى مجراه ، وليس الفعل كذلك . فأمّا خذ ، وكل ومر ، فلا يعتدّ ، إن شئت لقلته ، وإن شئت لأنه حذف تخفيفا في موضع وهو ثابت في تصريف